إحتفالا بذكراه الـ69: الأمن الوطني بين الرؤية الملكية والتحول المؤسساتي نحو الثقة والمواطنة

شاهد24-عبدالله الحسيني
مع حلول 16 ماي من كل عام، يتجدد الاحتفاء بذكرى تأسيس المديرية العامة للأمن الوطني، لحظة تستدعي التأمل في التحولات العميقة التي شهدها الجهاز الأمني المغربي، منذ الخطاب الملكي التاريخي في 12 أكتوبر 1999، الذي أرسى المفهوم الجديد للسلطة، كمنظور حديث يربط ممارسة السلطة برعاية المصلحة العامة، واحترام الحقوق والحريات، وتحقيق السلم المجتمعي.
منذ ذلك التاريخ، دخلت المؤسسة الأمنية مرحلة تطوير متواصلة، شملت تحديث بنيتها البشرية وتعزيز كفاءتها، وتطوير تجهيزاتها اللوجستيكية، ومواكبة الترسانة القانونية لمتطلبات الأمن العصري، ضمن سياسة جنائية تستجيب لحاجيات المواطن في الأمن والاستقرار.
وقد شكل التصدي الجماعي لتداعيات تفجيرات 16 ماي 2003 منعطفًا حاسمًا في مسار هذا الإصلاح، حيث أفرز اعتماد مقاربة أمنية تشاركية، جمعت بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والإعلام، وأسست لمنظور جديد في تدبير المخاطر والتحديات، شمل أيضًا تجديد الخطاب الديني وتعزيز التواصل المؤسسي، وتطوير التشريعات الوطنية ذات الصلة.
وفي سنة 2018، كرّس العاهل المغربي الملك محمد السادس هذا التوجه من خلال زيارة تاريخية إلى مقر المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، أعلن خلالها عن انطلاق جيل جديد من الممارسات الأمنية، يرتكز على المهنية العالية والتكنولوجيا المتقدمة. وقد أصبح جهاز “الديستي” نموذجًا يُحتذى به دوليًا في الكفاءة والتفوق، مما عزز مكانة المغرب في المنظومة الأمنية الدولية.
وفي سنة 2025، تتواصل جهود التحديث والانفتاح، حيث أصبحت المؤسسة الأمنية أكثر حضورًا في الوعي المجتمعي، ليس فقط بسبب تطور الأداء المهني، بل أيضًا نتيجة انفتاحها على الإعلام والرأي العام، وتنظيم فعاليات تواصلية مثل “الأبواب المفتوحة”، مما ساهم في بناء جسور الثقة بين المواطن ورجل الأمن.
ورغم الانتقادات المغرضة التي تحاول التشويش على هذا المسار، لا يمكن إنكار النجاحات الميدانية الكبرى، وعلى رأسها العمليات النوعية التي نفذتها فرقة مكافحة الإرهاب “البيسج”، والتي نجحت مؤخرًا، يوم 25 يناير 2025، في تفكيك “خلية الأشقاء” الإرهابية بمنطقة حد السوالم، وأحبطت مخططًا كان سيهدد أمن وسلامة المواطنين. وقد لاقت هذه العملية إشادة شعبية واسعة، وعززت منسوب الثقة في الأجهزة الأمنية.
كما أن المغرب، وبخلاف العديد من الدول المجاورة، يواصل احترامه لحرية التظاهر والتعبير، في إطار القانون، حيث شهدت مدنه مسيرات مليونية داعمة للقضية الفلسطينية، إلى جانب وقفات احتجاجية مطلبية لمختلف فئات المجتمع، تمت في ظروف تنظيمية وأمنية محكمة، تعكس نضج المجتمع واحترافية المؤسسات الأمنية.
وفي الوقت الذي تُمنع فيه المسيرات في بعض الأنظمة، يثبت المغرب، من خلال رؤيته الحقوقية والمسؤولة، أن احترام الحريات لا يتناقض مع حفظ الأمن، بل يعززه ويجعله مسؤولية مجتمعية تُمارس في إطار تضامني وتشاركي.
إن الاحتفال بذكرى 16 ماي هو احتفاء بمؤسسة تُجسد صمام الأمان للمجتمع، وتحمل على عاتقها مسؤولية صون الحق في الأمن والاستقرار، وهو أيضًا لحظة للترحم على شهداء الواجب، وتحية تقدير وامتنان لكل من يَسهر على أمن الوطن والمواطن.



