مجتمع

حين تتحول الحافلات إلى «ممر للضياع».. أين يجد المرضى النفسيون والمشردون ملاذهم الآمن؟

رشيد أبوهبة

لم تعد ظاهرة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو يعيشون في وضعية تشرد مجرد مشهد عابر في شوارع المدن المغربية، بل أصبحت إشكالية اجتماعية وإنسانية تتطلب تدخلاً مؤسساتياً عاجلاً، خصوصاً مع تزايد ظهور هذه الفئة في محاور الطرق الوطنية والسيارة وبين مختلف المدن والأقاليم.
المقلق في هذه الظاهرة أن بعض الحالات يتم التعامل معها بمنطق «نقل المشكلة» بدل البحث عن حل لها، من خلال إبعاد أشخاص في وضعية هشاشة عن مجال ترابي إلى آخر، أحياناً عبر وسائل النقل العمومي، دون أن تكون هناك مواكبة صحية واجتماعية تضمن سلامتهم وتحفظ كرامتهم.

وبينما تتنقل هذه الحالات من مدينة إلى أخرى، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة: من يتكفل بها؟ وأين توجد المراكز المتخصصة القادرة على استقبالها وعلاجها وإعادة إدماجها؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يصبح شخص يعاني من اضطراب نفسي عرضة للخطر أو خطراً على نفسه وعلى مستعملي الطريق؟

وتزداد خطورة الوضع عندما يظهر بعض هؤلاء الأشخاص بالقرب من الطرق السيارة ومداخل المدن والممرات ذات الحركة الكثيفة، بما يجعل حياتهم وحياة السائقين ومرافقيهم معرضة للخطر، في ظل تسجيل حوادث سير متكررة بمناطق مختلفة، من بينها المحور الرابط بين مكناس وسيدي علال البحراوي.

إن المقاربة الأمنية أو الإبعاد من مدينة إلى أخرى لا يمكن أن تشكل حلاً دائماً لمشكلة ذات أبعاد صحية واجتماعية وإنسانية. فهذه الفئة تحتاج قبل كل شيء إلى الرعاية، والتشخيص، والعلاج، والإيواء، والمواكبة الاجتماعية

المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى سياسة عمومية واضحة، عبر تعزيز المراكز المتخصصة وطنياً وإقليمياً، وتوفير فرق متنقلة للتدخل، وربط المصالح الصحية والاجتماعية والسلطات المحلية ضمن منظومة موحدة للتكفل بالحالات التي تعيش في الشارع.

فالمرض النفسي ليس جريمة، والتشرد ليس سبباً لسلب الإنسان كرامته. وأي حل حقيقي يجب أن ينطلق من حماية الإنسان أولاً، مع حماية المجتمع ومستعملي الطرق في الوقت نفسه.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: متى تتحول هذه الظاهرة من ملف يُرحَّل بين المدن إلى قضية وطنية تجد لها الدولة حلاً مؤسساتياً دائماً؟
وقد يكون من المفيد فتح نقاش أوسع حول مسؤولية الجماعات الترابية والقطاع الصحي والسلطات المحلية في التكفل بهذه الفئة، بعيداً عن منطق ترحيل الحالات من مجال ترابي إلى آخر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى