جمعية عطاء لمرضى السرطان و جمعية شباب زناتة الجديدة تنظمان ندوة “قراءة إيمانية في محنة السرطان”: نحو إعادة تأطير الألم بالمعنى

في لحظة تأمل جماعية جمعت بين العلم والإيمان، احتضنت قاعة دار الشباب بعين حرودة، يوم الجمعة 16 ماي 2025، ندوة علمية نوعية من تنظيم جمعية “عطاء لمرضى السرطان” بشراكة مع “جمعية شباب زناتة الجديدة”، تحت عنوان: “قراءة إيمانية في محنة السرطان”. الحدث شكّل منصة فكرية وإنسانية لإعادة النظر في تجربة المرض، ليس كمعاناة صامتة فحسب، بل كمسار يمكن أن يُستثمر في بناء المعنى، وفتح نوافذ جديدة على الذات والوجود.

و في مداخلته العميقة المعنونة بـ”الابتلاء رفعة ومكانة عند الله” ، قدّم الأستاذ ياسين الناصيري مقاربة قرآنية وسُننية للمرض، مركزًا على البعد التربوي للابتلاء في حياة المؤمن. لم يتعامل الأستاذ ياسين مع السرطان باعتباره محض كارثة صحية، بل كعلامة وجودية تنطوي على فرصة للرجوع إلى الله، وتصفية النفس من علائق الغفلة والركون إلى الدنيا.

وقد استند المتحدث إلى نماذج قرآنية – أبرزها قصة أيوب عليه السلام – للتدليل على أن الابتلاء ليس دومًا عقوبة، بل قد يكون رفعة وتطهيرًا واختبارًا للثبات والرضا. كما شدّد على أن معاناة المريض لا يجب أن تظل حبيسة الألم الجسدي، بل من الواجب تحويلها إلى لحظة وعي تتجاوز البُعد البيولوجي نحو إعادة ترتيب القيم والأولويات.

من جانبه، قدّم الأستاذ محمد القوطي مداخلة مؤثرة تحت عنوان:“الابتلاء تطهير وتمحيص” ، سعى من خلالها إلى تفكيك المفهوم الشائع عن المرض كعلامة ضعف أو غضب إلهي، مؤكدًا – بخطاب روحاني عقلاني – أن البلاء في حياة المؤمن هو شهادة مكانة، وأحيانًا وسيلة اصطفاء رباني.

واستعرض الأستاذ القوطي نماذج أنبياء وصالحين، وكيف أن أشدّ الناس بلاءً هم أكثرهم إيمانًا، مستندًا في ذلك إلى أحاديث نبوية وأقوال علماء السلوك الروحي. كما سلط الضوء على أهمية تمتين العلاقة بين المريض وربه من خلال الصبر والدعاء والذكر، مع الدعوة إلى تفادي خطاب الشفقة المفرط، والتركيز بدلًا من ذلك على تمكين المريض معنويًا وروحيًا.

وفي مستوى أكثر عمقًا، دعا الأستاذ إلى تطوير “فقه للابتلاء”، لا يقتصر على الطمأنة الدينية، بل يُنتج خطابًا يُعين المريض على التماهي مع المحنة، لا مقاومتها فقط، من خلال فهمها كجزء من السيرورة الإنسانية نحو الكمال والتسليم.
وعكست الندوة، في مجملها، تحوّلاً مهمًا في مقاربة السرطان، بعيدًا عن كونه صدمة صحية تُدار طبيًا فقط، نحو كونه تجربة كاشفة للذات والهوية، تستوجب تكافلًا روحيًا واجتماعيًا. وقد تفاعل الحضور – من جمعويين وإعلاميين ومهتمين – بشكل لافت مع محتوى الندوة، مما يؤشر على الحاجة الملحة لمثل هذا النوع من الخطاب المتوازن، الذي يمزج بين الرعاية الإيمانية والتأصيل النفسي، دون الوقوع في التنميط أو التهوين.
كما أكدت الجمعيتان المنظمتان على التزامهما بمواصلة هذه السلسلة من المبادرات التي تتجاوز الدعم المادي واللوجستي، إلى زرع الأمل وتعزيز الصمود الداخلي للمصابين.

و بالتالي فإن السرطان ليس فقط ورمًا يُستأصل، بل هو جرح معنوي يتطلب خطابًا مؤنسنًا، يُعيد للمريض كرامته، ويصالحه مع ذاته ومجتمعه وخالقه. ومن هنا، تأتي أهمية هذه الندوة كمساهمة في بناء وعي بديل، يرى في المرض فرصة لاختبار الإيمان، وإعادة فهم الحياة على ضوء الألم… ولكن أيضًا على ضوء الأمل.




